يحيى بن معاذ الرازي

215

جواهر التصوف

350 - « من صفة العارف خصلتان : ألا يذيع حاله لأحد ، ولا يفتش أحد عن حاله » [ الحلية : 10 / 61 ] * ولماذا يذيع الناس أحوالهم لغيرهم ، إمّا أنّ هناك ما يفخر به ويطلب الشهرة بين الناس بإعلانه ، أو أن في حياته مشكلة لا يجد لها حلّا ، فيحكيها لمن هو أقدر منه على حلها ، وكلا الأمرين غير حاصل ؛ فالعارف لا يرائى ولا ينافق ، كما أنه ليست لديه مشكلة ، كما أن مرجعه إلى الله في كل أمر . . وفوق هذا كله أن العارف لا يرى غير الواحد الأحد ، فكيف يذيع حاله لأحد . . وأسرار العارف يجب سترها إلا على أهلها خوفا من شيئين : سوء الفهم ، فقد تفهم على وجه غير المقصود منها ، أو خوف الافتتان ، ولذا نرى الجنيد رحمه الله يعلّق على كشف الحلّاج لسرّ نفسه : « لقد فضحنا الحلّاج » ، وقال الشهاب السهروردي من قصيدة له في التصوف : وارحمتا للعاشقين تكلّفوا * ستر المحبّة ، والهوى فضّاح بالسّرّ إن باحوا تباح دماؤهم * وكذا دماء العاشقين تباح وكأنما كان السهروردي ينعى نفسه ، فما لبث حتى اتهمه علماء حلب بالتّعطيل ، والتعطيل نفى جميع الصفات عن الذات الإلهية ويقابله التشبيه » وأفتى علماؤها بإباحة دمه واستجاب الملك الظاهر الأيوبي لهم فأمر بقتله 587 ه ، 1191 م . * ولا يفتش أحد عن حاله ، فظاهره واضح لا يدعو إلى التفتيش ؛ فهو كإنسان يأكل ويشرب وينام ويتزوج ويعمل ، وكمسلم فهو تقىّ ورع ، ملازم للذكر ، ملازم للصّمت إلا لضرورة ، رحيم بمن حوله حليم ، لكنه صاحب غيرة شديدة على محارم الله أن تنتهك هذا ظاهره ، أما باطنه فعلمه عند ربه ولا سبيل إلى التنقيب فيه . * * * 351 - « العارف إذا ذكر ربه افتخر ، وإذا ذكر نفسه افتقر واحتقر » [ اللمع / 478 ] * العارف قد انمحت رسومه ، وفنت هويته ، فهو غائب عن نفسه لاستيلاء ذكر الحقّ على قلبه ، فهو لا يشهد غيره ولا يقصد سواه ؛ فإذا ذكر نفسه أعلن افتقاره إلى سيده ورجع سريعا إليه ، أما إذا ذكر ربه افتخر بصفات معروفه ، فهو متواتر الأحوال بحكم الأسماء ، ولله درّ شاعرهم : قوم تخلّلهم زهو بسيّدهم * والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهوا برؤيتهم عمّا سواه له * يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا * * *